د. محمد سمير الخطيب رئيس لجنة الندوات بالتجريبي: تعويم الهوية هو إيجاد هوية مسرحية تنتمي لبيئتها المحلية وتنحاز للمهمشين

أجرت الحوار: نسرين نور
يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه”رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر” تحت عنوان المسرح والهوية: بدأ المسرح العربي بترجمة مسرحيات مختلفة عن الفرنسية والإنجليزية، ثم ترجمة النظريات الغربية في المسرح بدأ من أرسطو وانتهاء ببرخت وأرتو.، حتى أصبح المسرح بالنسبة لنا مسرحا بالمعنى الغربي. هذا هو ما حدد وعينا ونماذجنا الإدراكية، وانطلاقا من هذا بدأنا في كتابة مسرحياتنا بهذا الشكل، ولم نتمكن من التعرف على الأشكال المسرحية في تراثنا، لذا تساءلت: لعلنا لو درسنا المسرح من مصدر آخر ياباني مثلا كمسرحيات النو والكابوكي، لاكتشفنا عالما مسرحيا مختلفا تماما، ولاختلفت رؤيتنا للمسرح، فهو مسرح لا يجلس الجمهور فيه في مواجه الممثلين، إنما يختلطون معا تماما، كما تختلط فيه الأنواع الأدبية بشكل رائع. لعلنا لو درسنا المسرح الياباني والهندي والصيني والأشكال المسرحية الأخرى غير الغربية، لأخذ تاريخ المسرح العربي الحديث منعطفا مختلفا تماما، ولربما اكتشفنا ما حولنا من أشكال مسرحية مثل صندوق الدنيا، خيال الظل، السيرة الهلالية، والسير البطولية الأخرى.
وقد حملت هذه الدورة عنوان تعويم الهوية كمحور رئيس للأبحاث والمناقشات الفكرية الموازية للمهرجان، وقد التقينا مع د. محمد سمير الخطيب وسألناه بضعة أسئلة.
_ المركزية الثقافية تفرض هويتها الخاصة على المحليات وتحاول محوها
في البداية ما المقصود بتعويم الهوية؟ هل المقصود تمييعها أم عولمتها بمعنى أن لا هويات خاصة لكن تندرج جميعاً تحت سياق عالمي واحد؟
المقصود بتعويم الهويات هو أن المركزيات الثقافية/المسرحية، تقوم بعملية محو للهويات المسرحية المختلفة عنها، حيث تفرض نماذج مسرحية صالحة لكل زمان ومكان وتفصلها عن حركة التاريخ وتجعلها تتعالى عليهما، وتنشئ هذه المركزيات الثقافية تاريخ كوني/ تخييلي يمارس الاستبداد على المسرح ومنع حضور كل ما هو مختلف، وتمارس التهميش والاستبداد على الهوية المسرحية للمجتمعات الأخرى وحقها في إنتاج مسرح خاص بها.
من هنا، تظهر مهمة التجريب المسرحي في نفي طابع الكونية عن النماذج المسرحية التي تساندها المركزيات الثقافية والتمرد على نموذجها الواحد الذي يُعوَّم الهويات المسرحية المختلفة. من ثم، يكون للتجريب المسرحي استراتيجية مزدوجة وهو تحديد موقعه من صراع المركزيات المسرحية ومقاومته لتعويم الهويات المسرحية المغايرة لها ونفي حضورها من جهة، من جهة أخرى اضفاء طابع الحدث للهوية المسرحية وأنها متجددة ومتحركة وليست راسخة وساكنة، بل يسكنها التعدد داخل الوحدة الواحدة. إن هذه الاستراتيجية المزدوجة التي يقوم بها التجريب محفوفة بالمخاطر، لكنها تعيد للمسرح تاريخه الخاص به النابع من ظروف حضارية، كما تضفي علية طابع الحيوية والتجدد ليقاوم تعويم كل مركزية.
_علينا تحديد موقع المسرح معرفيا وجماليا
وبسؤاله عن سبب طرح هذه الفكرة الآن؟ وهل ثمة علاقة بالوضع العالمي والشرق الأوسط على وجه الخصوص قال:
طبعًا بكل تأكيد المسرح لا ينفصل عن الشأن الحضاري واللحظات الحديَّة التي يمر بها المجتمع العربي، وكما كثر الحديث في الأوانة الأخيرة عن تعويم الهويات عالميًا مما فرض علينا ذلك الاشتباك مع هذا الظرف الحضاري المحتقن وإعادة طرح سؤال المركزيات مرة أخرى، لنحدد موقع المسرح معرفيًا/ جماليًا من هذا الصراع، خاصة أن تعويم الهويات على المستوى السياسي يسعى إلى المحو والتهميش، فعلى سبيل المثال: اصبحت المركزية الغربية تساند نماذج جمالية نابعة من طبيعة مجتمعاتها وكأنه نموذج المسرحي كوني الذي يبدأ من عنده تاريخ المسرح، وتنفي كل ما هو مغاير له. ولكن التعويم الذي يراه التجريب هو إضافة التعدد داخل الواحدة لتبعث في المسرح روح التجدد والحيوية ليقاوم المركزيات المختلفة وتكون لنا تجريبيتنا نابعة من شأننا الحضاري.
وكان السؤال الذي يطرح نفسه، على أي أساس تم اختيار المحاورين والبحوث المقدمة؟ ووفقاً لأي معايير؟ فأجاب:
لكل ما أسلفت، كان اختيار المحاورين يتم بناء على مقاييس علمية وتوافر الاشكاليات والمنهجية في أوراقهم البحثية، بالإضافة إلى جدية الطرح لفتح آفاق جديدة في البحث المسرحي، لترصد ما هو مسكوت عنه في كل مركزية.
وبسؤاله هل ثمة ارتباط بين العنوان الرئيس للمحور الفكري وبين العروض المقدمة ؟
بالنسبة للعروض المسرحية المختارة تقترب من هذا الطرح بصورة غير مباشرة، فهناك عروض تتناول الصراع بين المركزيات ليس على مستوى الأفكار ولكن حوار جمالي معرفي على مستوى النماذج الجمالية المسرحية.