عندما يصبح الصعود شكلا آخر للسقوط..قراءة في عرض سابع سما تأليف عمر رضا – إخراج محمد الحضري.

أحمد محمد علي
هل يبدأ “سابع سما” من سؤال: ماذا يحدث للإنسان عندما يفشل؟ أم من سؤال أكثر التباسا: ماذا يحدث له عندما ينجح بالطريقة التي يفرضها عليه النظام؟
في نص عمر رضا، وإخراج محمد الحضري، يبدو السيرك في ظاهره مكانا للضحك والفرجة، فيما تكشف الحركة والكتل والأقنعة والسلالم عن بنية أكثر قسوة. السيرك هنا ماكينة تنتج الضحك، والصعود، والسقوط، والاستبدال. والمهرجون ليسوا مجرد جماعة تؤدي فقرات جماعية؛ إنهم أجساد تعمل داخل هذه الماكينة، تتحرك وفق إيقاعها، وتنتظر دورها في لعبة لا تتوقف عند شخص.
آدم، يؤديه محمود جراتسي، يبدأ من رغبة مفهومة: أن يُرى، وأن يُقدر عمله. هو مسؤول عن كتابة الضحك، ومع ذلك لا يشعر بقيمته داخل المؤسسة. هذه الرغبة الإنسانية في الاعتراف هي المدخل الذي يستخدمه النظام لإعادة تشكيل صاحبه. فكلما اقترب آدم من الموقع الذي يظنه اعترافا بقيمته، أصبح أكثر ارتباطا بالقواعد التي صنعت شعوره الأول بعدم التقدير. هنا يصبح الصعود أكثر من حركة رأسية.
السلم الذي يصنع الرغبة
استخدام السلالم في الديكور الذي صممه روماني جرجس لا يعمل كعلامة جاهزة على الصعود الطبقي فقط. السلالم تتحرك أفقيا ورأسيا، فتعيد توزيع الشخصيات، تفصل بينها، وتكشف تفاوت المواقع. في لحظة أصبح السلم حاجزا بين آدم وفريدة، وأحيانا يتحول إلى طريق للوصول إلى مستوى أعلى.
السلم هو الترقية، لكنه أيضا أداة لإنتاج الرغبة في الترقية. كلما ظهر مستوى أعلى، بدا المستوى الذي يقف عليه الشخص ناقصا. ولهذا لا يحتاج النظام إلى إجبار العامل على الحركة؛ يكفي أن يمنحه هدفا يتحرك أمامه باستمرار. تتأكد الفكرة في لعبة الجزر. الجائزة تظل قريبة بما يكفي لمواصلة الركض، وبعيدة بما يكفي حتى لا يتوقف أحد. وفي تشكيلات الأجساد الهرمية والمنصات، تتحول العلاقات الإدارية إلى صورة مرئية: من يقف أعلى يملك مجال رؤية أوسع، ومن يقف أسفل يظل مشغولا بمحاولة الصعود.
حتى أوراق اللعب تحمل المعنى نفسه. الشخصيات تبدو كأوراق قابلة للتبديل؛ سقوط ورقة لا يوقف اللعبة، لأن ورقة أخرى جاهزة للحلول مكانها.
الإنسان حين يتحول إلى وظيفة
تتطور هيئة آدم مع تطور موقعه. يبدأ ببساطة تسمح للجسد بالحركة، ثم تصبح الملابس والمكياج التي أبدع في تصميمهما محمد شاكر أكثر استعراضا، ويزداد حضور المظهر كلما ابتعد عن صورته الأولى. وفي النهاية يأتي قناع الحمار “أقنعة، بسنت مصطفي” بوصفه اكتمالا لتحول الإنسان إلى أداة. القناع هنا لا يخفي الوجه فقط؛ إنه يعيد تعريف صاحبه. الأمر نفسه يظهر في وجوه الرؤساء. الجروتيسك لا يقدم الوجوه المشوهة باعتبارها تشويه بصري أو اختصارا للشر، وإنما يحول الوجه إلى علامة وظيفية. كلما ارتفع الشخص داخل المؤسسة، فقد شيء من ملامحه الإنسانية، حتى يصبح الجسد نفسه جزءا من المنصب. فالعرض يدفع ملامح الشخصيات القيادية نحو التشيؤ والكاريكاتير كلما اقتربت من بنية السلطة.
ومن هذه الزاوية يصبح المهرجون الستة قيادة رحيل عماد، بحركتهم الجماعية، جسدا واحدا للعمال داخل الماكينة. الحركة الجماعية ليست استعراضا منفصلا عن الدراما؛ إنها عملية إنتاج. يضحكون، يتحركون، يصعدون، يسقطون، ثم يعيدون ترتيب أنفسهم.
السيرك لا يتوقف لأن فردا سقط.
وهذه واحدة من أكثر أفكار العرض وضوحا وقسوة: الإنسان قابل للاستبدال، بينما الموقع باق. في مقابل هذا الإيقاع تقف فريدة، التي تؤديها بوعي ياسمين قابيل. حضورها أكثر هدوءا في الملابس والحركة والصوت. لا تدخل اللعبة بالطريقة نفسها، ولذلك تصبح المسافة بينها وبين آدم أكبر كلما اقترب هو من القمة. فريدة لا تمثل فقط الزوجة التي تنتظر عودة زوجها؛ إنها صورة للحياة التي تتراجع إلى الخلف كلما أصبح الإنجاز معيارا وحيدا للقيمة.
وفي الطرف الآخر تظهر السكرتيرة جسدتها اولفيا إيميل، بحضور أكثر إغواء ومناورة، باعتبارها شخصية تعرف كيف تستخدم قواعد اللعبة لمصلحتها. التناقض بين المرأتين يحمل قدرا من النمطية، لكنه منسجم مع العالم الكاريكاتوري الذي يبنيه العرض: امرأة مرتبطة بالبيت والانتظار، وأخرى تعرف كيف تتحرك داخل المؤسسة وتستثمر أدواتها.
الأهم أن آدم لا يخسر فريدة في لحظة واحدة. يخسر المسافة معها تدريجيا، كلما صار الصعود أهم من السؤال عن الحياة التي يصعد من أجلها.
الضوء والزمن
تعمل الإضاءة، التي صممها أحمد طارق، في مستويات تتجاوز التلوين الجمالي غير أن بعض مستويات الإضاءة حجبت في لحظات محددة تعبيرات الوجوه ومنعتها من الوصول إلى المتلقي. كانت الانتقالات بين الأزرق والأحمر والأصفر تمنح الفضاء حالات مختلفة، بينما يأتي تركيز الضوء على فريدة في لحظات محددة ليعيد وضعها في مركز الانتباه بعد أن دفعها إيقاع آدم إلى الهامش.
وفي إحدى اللحظات اللافتة يسقط الضوء على آدم مع الدخان في تشكيل مثلثي يشبه قبعة المهرج، بينما يقف في وضع أقرب إلى التفكير. اللحظة تختصر المفارقة: الإنسان الذي يريد أن يرتفع يجد نفسه داخل شكل المهرج نفسه. أما أصوات الساعة فتعمل كإشارة زمنية مباشرة إلى ما يُدفع من العمر في مقابل الصعود. الوقت هنا أحد أثمان اللعبة.
عندما يصبح السقوط استمرارا للعبة
يصل العرض إلى لحظته الأخيرة وآدم تحت الضوء، ثم يعود القناع إلى الجسد، وتتبدل الأوراق، وتسقط واحدة لتحل أخرى مكانها. الحالة قوية لأنها لا تحتاج إلى شرح: آدم انتهى، والسيرك مستمر.
لكن العرض يظل أحيانا بعد أن تكون بعض علاماته قد قالت ما يكفي. السلم، والجزر، والأوراق، والقناع، كلها كانت قد أنجزت وظائفها الدرامية والدلالية قبل النهاية. لذلك فإن إطالة بعض المساحات تضعف شيئا من قوة العرض، لأن المعنى الذي وصل إلى المتلقي بوضوح يُعاد تأكيده مرات. كان يمكن للاختصار أن يمنح النهاية مساحة أوسع للتأويل.
في “سابع سما” لا تكمن مأساة آدم في أنه أراد الصعود. الرغبة في التقدير مشروعة، والطموح في ذاته ليس موضع الإدانة. المأساة تبدأ حين يصبح الصعود بديلًا عن السؤال: ماذا أريد من حياتي؟
عندها يتحول الإنسان الذي أراد أن يثبت قيمته إلى شخص يعيد إنتاج النظام الذي جعله يشعر في البداية بأنه بلا قيمة. قد يصل الإنسان إلى المكان الذي ظل يحلم به، ثم يكتشف أن الطريق إليه أخذ منه الشيء الذي كان يصعد من أجله.





