
إبراهيم الحسيني
كاتب وناقد مسرحي،
رئيس التحرير التنفيذي لجريدة مسرحنا
ـ سؤال يلح في الظهور من آن لآخر، لماذا يظهر كل هذا العدد الضخم من الجماهير سنويا تلك الراغبة في متابعة عروض القومي؟! مشاكل كثيرة تحدث بسبب الإزدحام، أصوات عالية، مطالبات بالدخول، ازدحام يفوق في الكثير من الأحيان طاقة استيعاب صالة المسرح للمشاهدين.
السؤال هنا: أين يوجد هذا الجمهور طوال العام؟ هذه العروض المسرحية وغيرها ممن يتسابق هذا الجمهور للفرجة عليها قد تم تقديمها من قبل وربما لم تجد نفس التزاحم عليها أثناء عرضها في أماكنها الأولي، هل يعود هذا الإزدحام إذن إلي طبيعة المهرجان نفسه وفكرة الناس عنه بأنه يحوي مجموعة من أفضل العروض المسرحية التي انتجت في مصر طوال العام الذي يسبق انعقاد المهرجان، أم يعود إلي أن التسويق للعروض المسرحية طوال العام غير كاف؟!
أشكال التسويق المسرحي المعمول بها لدينا في مسارح القطاع العام والتي تعتمد علي مجموعة من الوسائل المحددة سواء كانت عن طريق الإعلانات المعلقة علي واجهات المسارح أو عبر صفحات السوشيال ميديا أو من خلال الدعوات الشخصية للنقاد والصحفيين، هل تبدو كافية؟ في اعتقادي الشخصي أنها ليست كافية بالنسبة التي يمكن الرضاء عنها، قديما كان كل مسرح من مسارح القطاع الخاص في فترات إزدهاره في الثمانينيات والتسعينيات وما قبل، كان يوجد من يقوم بالتسويق مشيا علي الأقدام، ليس مشيا علي الأقدام كما تعني العبارة ولكن أعني بها أن المسئولين عن التسويق كانوا يذهبون للتجمعات البشرية في الشركات، النوادي، الجامعات،… إلخ ويعقدون اتفاقا يقضي ببيع نسبة تذاكر معينة في يوم معين، ومن هذه التجمعات من كان يشتري يوم عرض كامل، وبالتالي كان المسرح يرفع لافتة كامل العدد لمدة أسبوع قادم.
لكن في المقابل نقول ونرد علي أنفسنا أن المهرجانات لا تعلن عن نفسها ولا تبيع تذاكر لكن لافتة كامل العدد معلقة دوما علي المسارح أيام المهرجانات، هل يعني ذلك تسويقا جيدا، لا، التسويق بمعناه المتعارف عليه غير موجود هنا لكنه تسويق من نوع آخر كما قلنا، فالدخول بالمجان كما أن الإعلام مسلط عليه إلي حد ما، والصحافة تكتب يوميا عنه، كل هذا قد يكون سببا في اجتذاب طائفة كبيرة من الجمهور، لم تأت بسبب اللافتات وحدها.
ولأن المهرجان القومي أو التجريبي أو غيرهما يقدمان كما يتوقع الجمهور عروضا تضمن لمشاهديها الحد الأدني من الجودة والمتعة، فإن أخباره وأخبار عروضه تتناقل بين الجمهور سريعا، فإذا مارأي النقاد عرضا جيدا في يوم عرضه الأول سارعو بالكتابة عنه علي صفحات السوشيال ميديا فتجد بسبب ذلك ازدحاما كبيرا في اليوم الثاني لنفس العرض، لا نستطيع أن ننكر أن الكثير من المتفرجين داخل المهرجان ينتمون للمسرحيين ولعائلاتهم لكن لا نستطيع أن نقول أن كل المتفرجين يقتصرون علي ذلك فقط، هناك جمهور غير مسرحي يحضر العروض كي يستمتع بها هربا من المسلسلات وزحام الحياة.
هل نعود للتسويق للعروض خلال العام مشيا علي الأقدام؟! أعتقد أننا بحاجة لذلك إلي جوار الوسائل الدعائية المعمول بها الآن حتي نستطيع إنارة مسارحنا طوال العام بلافتة كامل العدد وليس في أيام المهرجانات فقط.

مسارح للناس في أماكنهم
إذا ما خرجنا بالمسرح للناس هل يمكننا انشاء ما يسمي بـ “مسرح للحوار” والمعني بشكل رئيسي بمشاكل الناس وتوعيتهم سياسيا واجتماعيا وعلي كافة المستويات، مسرح يخاطب عقول الناس حسب شرائحهم الإجتماعية ومشاكلهم الصغيرة داخل مجتمعهم الصغير، نوعية من العروض التي تتحاور بها الأحياء والمدن والقري، بدلا من التحاور عن طريق العنف بكافة أشكاله، نوعية من المسرح تستفيد نظريا وعمليا من عدة تجارب مسرحية عالمية ومحلية من مثل: مسرح المجتمعات ومسرح الشارع، ومسرحة الأماكن، وتعبير “مسرح المجتمعات” يقصد به المعنى المـُـقـابل للتعبير الإنجليزي “Community Theater“، وهو التعبيرالذي ظهر داخل الحياة المسرحية لأول مـرّة في إنجلترا عندما قامت إحدى التجمعات المسرحية الهاوية لفن المسرح بتقديم عرض مسرحي للأطفال، ولا يهمنا هنا التتبع التاريخي لظهور المصطلح بقدر ما يهمنا الاستفادة من هذه التجربة في واقع حياتنا المسرحية، خاصةً وأننا شهدنا في مصر مجموعة من التجارب المسرحية التي تقترب في طرحها من طرح هذا النوع من المسرح والتي لم تؤصل لنفسها ولا لتجاربها نظرياً بالقدر الكافي، ومن هذه التجارب “تجربة شبرا بخوم للمخرج أحمد إسماعيل، تجربة مسرح الأماكن المفتوحة التي أسسها المخرج الراحل بهائي الميرغني، تجربة مسرح الجـُـرن، التجارب العديدة لمسرح الشارع داخل إدارة المسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة وخارجها من قـِـبل مسارح الهواة والمستقلين….ومن قبل كل هذه التجارب بعض التجارب الرائدة لسرور نور في تجربة مسرح الفلاحين، وتجارب فهمي الخولي، د. هناء عبد الفتاح، عبد العزيز مخيـّـون،…. وعيرهم داخل القري المصرية، لكن الدارس لهذه التجارب جميعاً يستطيع أن يلمح تمردها الواضح في الخروج من الأبنية المسرحية التقليدية المـُـتعارف عليها [ مسرح عـُـلبة إيطالي ــ مسرح قاعة ــ مسرح تقليدي مكشوف داخل بناية ثقافية أو اجتماعية ــ….] لكن معظم هذه التجارب لم يكن يلجأ في الغالب إلى ما يـُـسمى بمسرحة المكان بمفهومها العلمي الذي يتمحـوّر حول اختيار مكان جـُـغرافي غير مسرحي ليـُـقدم عليه العرض المسرحي بالإضافة إلى مسرحة حواديت المكان أو تاريخه السياسي أو الإنساني، بمعنى اختيار بيت زينب خاتون مثلاً بمنطقة الحـُـسين الأثرية وتقديم عرض مسرحي يتم كتابته عن زينب خاتون وزمنها وصراعاتها مع ناس ذلك العصر، وذلك بحيث تتطابق جغرافية المكان مع مضمون العرض المسرحي، وكأننا بصدد إعادة تقديم واقع تاريخي ماض، وذلك في مكانه الذي حدث به ولكن بشكل فني وفكري، ولم تلجأ أيضا في معظمها من اعتماد تقنيات التمثيل وتشكيل المكان جماليا عبر استخدام التشكيلات والتكوينات الجسدية للممثلين.
وجود مسرح للأحياء وللأماكن المختلفة وعبر هذه التجارب ربما يمكنه حل الكثير من مشكلاتنا الناتجة عن العنف، التعصب، الكراهية، اللامبالاة،…. إلخ، لكن السؤال هنا كيف يتم تنفيذ تلك النوعية، ذلك ما يمكن أن نفكر فيه؟!
تلك تركيبة مسرحية فنية وفكرية خاصة تـُـحاول أن تذهب للناس ولا تنتظرهم لكي يأتوا هـُـم إليها، ويـُـمكننا إيـجازها في نقاط محددة وهى: الخروج بالمسرح من الأبنية المـُـغلقة، والذهاب لــ (الشوارع، الميادين، النوادي، المصانع، القـُـرى، النجوع، الكفور، وتلك الأماكن المـُـهمشة والنائية التي لم تعرف طوال تاريخها على أي فعل ثقافي.
يستلزم هذا الخروج أيضا كتابة نصوص مسرحية فئوية، تنويرية،….بمعنى الاهتمام بقضايا المكان الذي يـُـقدم فيه العرض، والتقاط المشترك بين قضايا هذا المكان وقضايا المجتمع ككل، فمثلاً إذا كـُـنا بصدد تقديم عرض مسرحي يستهدف مثلا جمهور العمال داخل أحد مصانع المحلة الكــُـبرى، فعلينا الانطلاق في مـُـعالجتنا من إحدى القضايا العـُـمالية التي تهم هؤلاء العـُـمال في المقام الأول بالإضافة إلى ربط هذه القضية بما هو إنساني عام لتتجاوز وضعيتها كمـُـعبرة عن مـُـجتمع عمالي محلي فقط وتصير معبرة عن الكادحين من البشر أصحاب الوظائف المهمة والمهمشة فى آن، وهكذا بالنسبة للفئات الأخرى من مثل: الفلاحين، الصيادين، الباعة الجائلين، النقابات، الجامعات، المدارس، النوادي، القـُـرى، النجوع، المـُـدن،….وكل التجمعات البشرية المختلفة التى تشكل التركيبة السكانية في محافظات مصر…
يـُـمكننا أيضاً تضمين طوائف الاعتقادات الفكرية والدينية ضمن هذا الإطار التنظيمي، وهو ما يعني تقديم ـ أو الحث على تقديم العروض المسرحية لبعض الفصائل السياسية والدينية، سواء هم قدموا بأنفسهم، أو تم التقديم لهم من مثل: الأحزاب السياسية، الطرق والمشايخ الصوفية، السلفيين، المسيحيين، التيارات المدنية،….إلى آخر القائمة…
ومعنى وجود فضاءات مكانية عامه وخاصة يتم استخدامها لتقديم عروض مسرحية في الأماكن التجمعية للفصائل السياسية والنقابية والعـُـمالية والتجمعات البشرية على مختلف تراكيبها البشرية مما يمكنها من وجود مسرحها الخاص، ذلك سيؤدي حتماً وبدوره إلى وجود أنواع مسرحية متجاورة تــُـشكل روافد جديدة للمسرح في مصر بجوار الرافد القائم والمعمول به الآن، وهو أيضاً ما سيؤدي إلى الارتقاء بالمستوى الثقافي وأفكار الإحساس بالجمال وتذوقه، وهو ما سيجعل خلافات الفصائل النقابية والاجتماعية والعمالية،….خلافات لها طبيعة فكرية وفنية عبر المسرح، وهي دعوة في النهاية لأن نجعل نقاشنا، وحواراتنا في القضايا المصيرية ليست حواريات زاعقة الصوت على بعض القنوات الفضائية أو من خلال عقد الندوات داخل الأماكن المغلقة والطاردة للبشر، وإنما نقاشات وحوارات تستند أيضا إلى خلفية مـُـركبة من كافة الفنون المسموعة ــ المقروءة ــ المرئية، أى المسرح فى نهاية الأمر، لنجعل خلافاتنا في نهاية الأمر لها جانب فني ـ فكرى، وهو ما يـُـمكن أن نـُـطلق عليه فكرة “الحوار بالمسرح بين كافة التيارات والفصائل والتجمعات البشرية داخل مصر..
إبراهيم الحسيني كاتب وناقد مسرحي، رئيس التحرير التنفيذي لجريدة مسرحنا