اعترافات زوجية: الصمت والذاكرة فضاءات التواصل والانكسار!

كتب: أحمد محمد علي

في “اعترافات زوجية” للفرنسي إيريك إيمانويل شميت، إخراج د. أيمن الخشاب على خشبة المسرح الصغير بمكتبة الإسكندرية، يتحول فقدان “جيل” المفاجئ للذاكرة بعد خروجه من المستشفى إلى مختبر درامي للعلاقة الزوجية. تصبح “ليزا” الراوية والدليل، وفي الوقت نفسه موضوع التحليل، حيث تكشف الحوارات المكثفة عن تناقضات الثقة، صراعات التفاهم، وتحولات المشاعر عبر سنوات من الحياة المشتركة. كل اعتراف يحمل عبء الصمت المكبوت، وكل صمت ينقش أثره في الجسد والنفس قبل العقل. المسرحية، تركز على التحولات النفسية الدقيقة، لتصبح الخشبة مرآة للذاكرة والعاطفة والمُشاهد شاهدا على صمت الحياة التي تعيد ترتيب نفسها على المسرح.

السينوغرافيا التي صممها إبراهيم الفرن تعتمد على الحد الأدنى من الأدوات: مكتب، أريكة، مكتبة، جرامافون، شنطة سفر. عناصر ديكورية بسيطة تحمل دلالات وتأويلات، المكتبة خلفية حية للعلاقة الزوجية، كل كتاب فيها شاهد على لحظة صمت أو حوار لم يجرِ، كل رف تختبئ به زجاجة فارغة يحكي تاريخا مخفيا. المسافة بين الأريكة التي تتوسط المسرح والمكتب في الزاوية ليست بعدا مكانيا فقط، هي فجوة زمنية وعاطفية تتسع تدريجيا مع تقدم العرض، لتصبح الخشبة حيزا نفسيا أكثر منها مكانا ماديا.
الإضاءة تتغير وفقا للحالة النفسية. الضوء الأصفر الدافئ يرافق استعادة الذكريات، بينما يتحول الأزرق البارد عند كشف الجروح القديمة. لحظات خفوت الضوء تصبح فيها الأصوات حاملة للسرد: خطوات، تنفس، خفقات قلب، كل ذلك يصبح لغة توازي اللغة المنطقة.

نجح الخشاب في أن يجعل الصمت هو البطل الخفي في المسرحية. صمت المعرفة عند جيل، صمت الحيرة المؤلمة عند ليزا، وصمت الذنب المشترك الذي لا يحتاج إلى كلمات، جميعها تتحول إلى عناصر حوار متواصلة. المشهد الذي ينظر فيه الزوجان لبعضهما بلا كلمة يتحول إلى حوار كامل من خلال النظرات والحركات، حيث تعكس اللغة الجسدية استسلاما وخضوعا أو صمودا وتحملا، وتكشف التوتر المستمر بين الجسد والعاطفة.

أداء رانيا إبراهيم في دور ليزا درس في الترميز العاطفي، حيث وجهها يشبه كتابا مغلقا، لكنه يسمح بنوافذ على ما تحمله من صمود وألم، فيما تنهار لحظة قصيرة لتكشف عن خزان المشاعر الداخلية. أحمد عامر في دور جيل يبدأ كشخصية فارغة، ثم يتشكل تدريجيا بالألوان النفسية المختلفة: الحيرة، الاكتشاف، الألم، والانكسار. التوافق بين الممثلين قائم على التنافر المدروس، كما لو كانت آلتان موسيقيتان تعزفان مقطوعة واحدة بإيقاعين مختلفين، ما يحافظ على حيوية العرض طوال الوقت.

الإعداد الموسيقي لمحمد إبراهيم يضيف بعدا آخر للتجربة، تتحرك المقطوعات الموسيقية بين اللحظة العاطفية الدقيقة والانفعال المكبوت، لتصبح الموسيقى امتدادا للصمت والكلمات، وأداة للكشف عن العمق النفسي للشخصيات. التلاعب بالإيقاعات، والتحولات بين اللحن الهادئ والمفاجئ يعكس التغيرات الداخلية للزوجين.

رقصة التانجو بين جيل وليزا، تصميم محمد ميزو، تعمل كعنصر بصري ونفسي متكامل. التانجو لغة جسدية ترمز إلى التقارب والابتعاد، السيطرة والانكسار، الانسجام والخلاف، فتصبح تعبيرا عن صراع القوة العاطفي بين الزوجين، وعن كيفية تفاعل الجسد مع الذكرى والعاطفة في الوقت ذاته.

الزمن في المسرحية شخصية حقيقة تفرض وجودها علي الخشبة، حيث يتصارع زمن الذاكرة المفقودة مع زمن الحاضر الأليم، بينما يمتد زمن ثالت للمُشاهد الذي يربط ما يراه بما عاشه. كل اعتراف يفتح بوابة زمنية، وكل صمت يغلق أخرى. ليضع المتلقي أمام سؤال مستمر عن إمكانية إعادة بناء العلاقة. لغة النص مقتصدة إلى أقصى حد، كل كلمة محسوبة بعناية. ما يُقال أقل بكثير مما يُلمح، وما يُلمح أقل بكثير مما يُخبأ. الجمل القصيرة تشبه طلقات مفاجئة في صمت الليل، مفاجئة ومؤلمة، تترك أثرها في النفس. قول ليزا “كنت تفضل قراءة الجريدة” جملة بسيطة تحمل سنوات من الإهمال والوحدة، وتحول الحوار إلى فضاء للتحليل النفسي والاجتماعي في آن واحد. المسرحية تتجاوز كونها سردا عن زوجين لتصبح تحقيقا في حدود الممكنات الإنسانية للحفاظ على العلاقة. تطرح أسئلة وجودية حول الحب والتفاهم، حول قدرة الزوجين على التواصل العميق، واستمرار العلاقة رغم تلاشي الذكريات، وتكشف أن أخطر الجرائم الزوجية ليست في الأصوات المرتفعة، بل في الصمت المتراكم الذي يترك الفجوة تتسع بلا إشعار كما جاء علي لسان چيل “لم أدرك إن الزمان ليس صديقا للحب”.


في النهاية، “اعترافات زوجية” تترك المشاهد مع سؤال مفتوح عن طبيعة العلاقات الإنسانية، حدود الذاكرة، وقدرة الحب على الصمود أمام الزمن والغياب. العرض يبقى صدى لصمت شخصي، وتذكيرا بأن الحب يحتاج إلى الكلمات، لكنه يحتاج أكثر إلى الاستماع لها، وأن الفهم العميق والعناية بالعلاقة هما السبيل الوحيد لبقاء العشرة قائمة رغم تقلبات الحياة.

About The Author

مقالات لا تفوتك أيضاً