المسرح في زمن الاختناق: من كلمة اليوم العربي إلى أسئلة ما بعد الإنسان
كتب : أحمد محمد علي
لم تكن كلمة اليوم العربي للمسرح، التي كتبها وألقاها الأستاذ الدكتور سامح مهران في افتتاح الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح برعاية سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ومجلس أمنائها الموقر، وفي مصر برعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزارة الثقافة المصرية، مجرد طقس بروتوكولي لافتتاح الفعاليات، وإنما جاءت امتدادا لتقليد مسرحي راسخ تُسند فيه كلمة المسرح سنويًا إلى أحد أعلامه بوصفها شهادة فكرية وجمالية على راهنه ودوره. وفي هذا التزامن الدال بين افتتاح المهرجان والاحتفال بيوم المسرح العربي، تتكثف الرمزية ويتضاعف المعنى، حيث يلتقي البعد الكوني للمسرح مع خصوصيته العربية، ويتحول الافتتاح إلى لحظة احتفالية مزدوجة، يجتمع فيها الاحتفاء بالفعل المسرحي مع مساءلته، والطقس الاحتفالي مع الوعي النقدي، ضمن خطاب فكري مكثف يضع المسرح في قلب الأزمة الإنسانية المعاصرة، ويمنحه موقعا متقدما في معركة الوعي، في زمن يعيش فيه الإنسان لحظة اختناق تاريخية تتشابك فيها التقنية مع السلطة، والمعرفة مع السوق، وتُعاد فيها صياغة معنى الحرية داخل منظومات السيطرة الناعمة.
الإنسان المعاصر، وفق هذا التصور، لا يواجه خطرا خارجيا مباشرا، ولا يعيش فقط تهديدات الحروب والكوارث المعهودة. الأزمة أعمق وأكثر مراوغة. إنها أزمة تحوّل في طبيعة الوجود نفسه. عالم يفيض بالاتصال ويعاني عزلة خانقة، يَعِد بالتحرر ويُنتج أشكالا جديدة من الاستلاب الجماعي. في هذا المشهد المربك، يُستعاد المسرح بوصفه فعلا نقديا، شبيها بالفلسفة في جوهره، يعمل على تفكيك الخطابات السائدة، ويعيد مساءلة ما يُقدم بوصفه معرفة أو حقيقة أو تقدما حتميا.
يضع الخطاب إصبعه على مفارقة كاشفة: التطور التقني الهائل لم يؤد إلى تعميق الروابط الإنسانية، وأنتج في المقابل إنسانا منفردا أمام شاشاته، محاطا بعوالم افتراضية تُدار بخوارزميات دقيقة، تُعيد تشكيل الإدراك والرغبة والانتباه. هذا الاستلاب لم يعد اجتماعيا فقط، وتحول إلى استلاب عصبي وإدراكي، حيث تدخل السلطة إلى عمق الجسد والعقل معا.
يتجاوز التشخيص نقد وسائل التواصل أو الثقافة الرقمية، ويمتد إلى التحولات البيوتكنولوجية التي تعيد تعريف الإنسان نفسه. الهندسة الوراثية، العقاقير العصبية، الزرعات الدماغية، وكل ما يُسوق تحت لافتة تحسين الأداء البشري، يفتح الباب أمام عالم غير متكافئ بيولوجيا. عالم تُنتج فيه الفوارق على مستوى الجينات والقدرات العصبية، وتُعاد صياغة فكرة المساواة الإنسانية من أساسها.
الخطر هنا لا يتجسد في الإبادة، ويتجسد في التحول. إنسان يُدار عن بعد، تُضبط حالاته المزاجية كيميائيًا، وتُوجَّه خياراته عبر بنى غير مرئية. سلطة لا تكتفي بالسيطرة على الفعل، وتطمح إلى التحكم في الدافع والرغبة والوعي. في هذا السياق، تصبح الحرية الداخلية هي الساحة الأخيرة للصراع.
المسرح ساحة التوترات الكبرى
أمام هذا الواقع، لا يقترح الخطاب حلولا جاهزة أو برامج سياسية مباشرة. يعيد تعريف المسرح بوصفه فضاء حيا للتوتر، ومختبرا دراميا للصراعات المؤجلة. المسرح هنا ليس منصة لتمثيل الإجابات، بل هو مساحة لطرح الأسئلة المؤلمة.
تظهر مجموعة من التوترات بوصفها المادة الخام للممارسة المسرحية الجادة:
توتر الذاكرة بين استحضار الماضي بوصفه خبرة أخلاقية مانعة لتكرار الشر، واستغلاله أيديولوجيا لإنتاج الإقصاء.
توتر الهوية بين ما يُورث للفرد جاهزا، وما يُكتسب عبر التجربة الحية.
توتر الذات بين سردية ثابتة تُعيد إنتاج نفسها، وصيغة مفتوحة تُعيد تعريف ذاتها عبر الاختيار النقدي.
توتر الشكل المسرحي بين أنماط تُطالب المتفرج بالامتثال، وأخرى تُربكه وتدفعه إلى المشاركة واللعب والتفكيك.
توتر المكان بين الخصوصيات الثقافية، وقيم العولمة التي تختزل الإنسان في كونه مستهلكا دائما.
توتر القانون بين العدالة كمبدأ أخلاقي، والقانون كمنظومة مؤسسية قائمة بذاتها.
هذه التوترات لا تُقدم كقائمة نظرية، وتُطرح كدعوة مفتوحة للمسرحيين من أجل إعادة التفكير في أدواتهم ولغتهم وعلاقتهم بالجمهور.
أسئلة التطبيق وحدود الرهان
رغم قوة الرؤية واتساع أفقها، تفرض هذه الأطروحة مجموعة من الأسئلة المشروعة. جمهور يواجه الفقر والعنف والقيود المباشرة، قد يجد خطاب ما بعد الإنسان بعيدا عن أولوياته الملحة. التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على بناء جسر بين هذه المستويات المختلفة من القلق الإنساني.
يظهر أيضا سؤال الوسيط الفني. كيف يمكن للمسرح، بوصفه فن الجسد الحي واللقاء المباشر، أن يُجسد أزمات غير مرئية مثل التحكم الإدراكي أو التلاعب العصبي؟ هذا السؤال يضع الممارسة المسرحية أمام ضرورة ابتكار استعارات مغايرة، ولغة جسدية ورمزية قادرة على تحويل المجرد إلى محسوس.
أما الحرية التي يُراهن عليها الخطاب، فتظل مفهوما مفتوحا. التحرر هنا لا يعني كسر القيود الخارجية فقط، بل يعني تدريب الوعي على الشك والمساءلة، وتحفيز المتفرج على إعادة النظر في المسلمات. المسرح لا يحرر بالمعنى المباشر، ويساهم في خلق شروط إدراك مختلفة، تُعيد ترتيب علاقة الفرد بالعالم.
ويبقى سؤال المؤسسة حاضرا بقوة. مسرح يسعى إلى تفكيك السلطة، وهو يعمل داخل منظومات إنتاج ورعاية قد تخضع لشروط تلك السلطة نفسها. هذا التناقض لا يُلغى، ويُدار، ويظل أحد أكثر الأسئلة حساسية في التجربة المسرحية العربية.
نحو مسرح للعناية بالمشترك الإنساني
في خاتمته، يعيد الخطاب ربط المسرح بفكرة المدينة والمصير المشترك. الاهتمام بالآخر، والانشغال بقضايا البيئة والمناخ، والعناية بالعلاقات الإنسانية، تتحول إلى جوهر الفعل المسرحي. المسرح هنا ممارسة للعناية، وليس مجرد أداة نقد.
ما نصبح عليه كأفراد يتشكل عبر هذه الممارسة الجمالية-الأخلاقية، وما يتشكل جماعيا يظل قابلا لإعادة التعريف. في زمن يسعى إلى تفريغ الإنسان من إنسانيته، يُستدعى المسرح ليكون مساحة للدفاع عن الوعي، وعن القدرة على الحكي المشترك، وعن الجسد الحاضر في مواجهة الافتراض.
الرهان كبير، والمهمة شاقة. مسرح يواجه الهاوية دون ادعاء البطولة، ويعمل في منطقة التوتر دون خوف من الأسئلة المفتوحة. مسرح يؤمن أن الصورة الحية، والجسد، واللقاء، لا تزال تملك قدرة فريدة على مقاومة التشييء، وعلى إبقاء الإنسان إنسانا، في لحظة يحاول فيها العالم إعادة تعريفه من جديد.