مقالات

د. وفاء كمالو تكتب: من شوامخ المسرح العالمي الحديث.. العادلون لـ ألبير كامي


د. وفاء كمالو

في حضرة المؤلف الفرنسي الشهير البير كامي، كان لقاء فريق قصر ثقافة عين حلوان مع مسرحية العادلون، هو حدث ثقافي رفيع المستوى، أثار الجدل والتساؤلات حول ذلك الوعي الثائر، الذي امتلك شرعية الانتماء للفن والفكر والإنسان، وكشف عن إدراك مغاير يتدفق تحديا شرسا لوجود مستحيل، وفي هذا السياق يستضيف مسرح الطليعة الآن هذه التجربة الشاهقة من إنتاج الهيئة العامة لقصور الثقافة، إقليم القاهرة الكبرى، قصر ثقافة عين حلوان، للمخرج محمد فاضل القباني، وصاحب الإعداد محمد عبد الرحمن الذي تناول أحد أهم النصوص السياسة في المسرح العالمي، فكان شديد الإدراك لفكر وفلسفة البير كامي، ومفاهيم رؤاه للعمل السياسي والتمرد ومواجهات الأنظمة الفاسدة التي تبطش بالشعوب وتتحكم في مصيرها عبر سلطة مطلقة مسكونة بالفوضى العارمة. 

إذا كانت الأعمال الإبداعية الكبرى تظل قابلة للحضور والتفاعل مع الواقع الإنساني ومع الأطر التاريخية والنفسية والسياسية المختلفة، فإن مسرحية “العادلون” قد اشتبكت بحرارة مدهشة مع وقائع السقوط الإنساني المخيف الذي تبعثه الحروب الطاغية في فلسطين الآن، تلك الحالة التي منحت المعد محمد عبد الرحمن مساحات هائلة ليضعنا أمام مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين لنتعرف على أبعاد وأعماق المناضل العادل الذي يؤمن بقداسة الإنسان وروح الثورة الباحثة عن الحياة حيث تتحقق العدالة الشريفة، بعيدا عن القتل الهمجي الوحشي، وفي هذا الإطار اتجه الإعداد إلى تكثيف النص الكلاسيكي الخلاب، المسكون بفكر وجماليات كامي، لامسنا الصراع الناري ضد القهر والتسلط والديكتاتورية، وذلك عبر صياغة درامية عالية القيمة، اتجهت إلى عمق المأساة الإنسانية، وطرحت رسائلها الثورية التقدمية الباحثة عما يجب أن يكون. 

بعث المخرج المتميز محمد فاضل القباني، حالة من الجمال المتوهج بالوعي والإرادة والحرارة والنقد والتساؤلات، السينوغرافيا البسيطة الدالة، تشتبك مع الضوء الدرامي والموسيقى، المنظور الفني يكشف عن موهبة حارة صاخبة، تؤكد أننا أمام مخرج يمتلك طاقات من الإبداع، قدم للواقع الثقافي المصري مسرحية عالمية معاصرة اشتبكت مع إيقاعات زمننا الوحشي، المحكوم بالعنف والقسوة والشرور الآثمة، مسرحية وضعت المقاومة الفلسطينية أمام الضمير العالمي الغائب عن الوعي.

كتب البير كامي مسرحية العادلون عام 1949، والأحداث تدور في موسكو بداية القرن العشرين , حيث يقرر الحزب الاشتراكي الثوري، تكوين جماعة سرية لاغتيال رموز الظلم في المجتمع، بحثا عن العدالة لكن المسرحية ليست هي قصة الجماعة السرية التي نصبت نفسها كهيئة لمحاكمة مستغلي البلاد وجلاديها، لتنفذ فيهم أحكامها العادلة، فذلك هو الإطار العام للمسرحية، أما القضية الأساسية فهي قضية الروابط الإنسانية العميقة التي تقارب أو تباعد بين أعضاء الجماعة السرية، ولعل أهمها هي تلك الرؤية التي تجعل من الموت وسيلة للحياة، لذلك فالمسرحية ليست حكايات قتل واغتيال، بقدر ما هي قصة حب عظيم، وفي هذا السياق كان البير كامي يهتم بمشكلة التمرد على النظام الفاسد عبر مفاهيم معينة للعمل السياسي، تتكشف من خلال الحوار الجدلي بين أفراد المجموعة الذي يطرح فكرة العدالة المطلقة، بلا أخطاء ولا ضحايا أبرياء.

قرر الحزب الاشتراكي الثوري اغتيال الدوق الأكبر” سيرج “, عم القيصر وأحد أكبر رموز الفساد والاستبداد، لكن المناضل العادل ايفان كالياليييف، يتراجع في اللحظة الأخيرة عن التنفيذ، لأنه شاهد طفلين بجوار الدوق في سيارته، اختلف الأعضاء واتفقوا أخيرا على أنه لابد للعدالة ألا تقع في مأزق قتل الأبرياء حتى لا تصبح ظلما , وعبر امتداد أحداث المسرحية نعلم أن كاليالييف هو شخصية مثالية عاطفية شاعرية، يفكر بقلبه وإحساسه، مؤمن بالجمال، وبأن الإطاحة بالحياة لا يبررها إلا انتصار الحياة , وفي نفس السياق كان زميله “ستيبان” لا يؤمن إلا بالعنف والكراهية في عالم عبثي تحكمه الأقلية التي تبطش بشعب بأسره وتتحكم في مصيره، ويذكر أن الزميلة دورا كانت هي الشابة الجميلة التي لم تستطع التخلي عن قلبها، رغم انشغال عقلها بالعدالة والتمرد والثورة والقنابل، لذلك تفهمت موقف بطل المسرحية، وكان حبهما هو نوع من القداسة الإنسانية، كانا يشعران أنهما ليسا من هذا العالم – – ويرددان – – إننا عادلون. 

تتم مهمة اغتيال الدوق، وتقبض السلطات على كاليالييف لمحاكمته، زوجة الدوق تعفو عنه وتنقذه من الحكم بالإعدام، لكنه يرفض العفو بشدة، فهو يبحث عن العدالة، وطالما أنه ارتكب جريمة القتل، فلابد أن يعدم، ظل يؤكد أنه لم يستلب حياة الدوق لينعم هو بالحياة، فقد فعل ذلك ليرفع الظلم عن المجتمع، وهكذا تنتهي المسرحية بإعدامه، وتسعى حبيبته دورا للمشاركة في العملية القادمة كي يحكم عليها بالإعدام وتلتقي بحبيبها في عالم أجمل، فقد آمنا أن سعادة الموت تصبح واجبة، حين تفشل سعادة الحياة. 

شارك في العرض: رامي نادر، خالد رأفت، محمد فاضل، هدير طارق، السعيد قابيل، عبد الرحمن كمال، وكان الديكور لسماح نبيل، والتأليف الموسيقي لمحمد خالد، وكانت الإضاءة لمحمد طايع.

 


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى