الترام المعلق والمدينة المتغيرة: الإسكندرية كما يرويها بوستر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.
كتب أحمد علي
في الإسكندرية، لا يحدث التغيير فجأة. هو يعلن نفسه و يتسلل.. في صوتٍ يختفي، وفي إيقاعٍ يتبدل دون أن ننتبه. ترام المدينة الأيقوني لم يكن مجرد وسيلة نقل. كان جزءًا من يوم عادي. صوتًا مألوفًا يمر بجانبك وأنت تفكر في شيء آخر. ثم، فجأة تقريبا -أو هكذا يبدو- لم يعد هناك. في المقابل، تستعد المدينة لشكل مختلف للحركة. مونوريل حديث، أسرع، أكثر كفاءة. لكن.. ربما أقل حميمية؟ لا توجد أجابة الآن، علينا الإنتظار! وسط هذه اللحظة، يظهر بوستر الدورة الثانية عشرة من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.كأنه يلتقط شيئًا قبل أن يختفي تمامًا.
البوستر و مقاومة الغياب
فكرة موني محمود، وتصميم كيريلوس مكسيموس. الاختيار بسيط ظاهريًا: الترام يعود. لكن لا يعود كما كان. لا يسير على القضبان. ولا يلتصق بالأرض. إنه يرتفع، معلقًا في الهواء. كأن غيابه لم يكتمل بعد. هذه ليست مجرد معالجة بصرية. ولا حنين مباشر. الترام هنا ليس استعادة للماضي،ربما مساءلة له.
حين رأيت الصورة، توقفت لحظة! سؤال صغير مرّ سريعًا: هل هذا هو ترام المدينة فعلًا؟ أم ما تبقى منه في الذاكرة؟! انتزاعه من الأرض لا يعيده. إنه يغيّره، يجعله فكرة أكثر منه شيئًا. وهنا تكمن قوة البوستر: أنه لا يقول إن ما اختفى سيعود، إنما يقترح أن ما اختفى لم يختفِ بالكامل. العمل متماسك بصريًا بوضوح. الفكرة مبتكرة، تربط بين التعليق والتحليق، وتجد صياغة ملائمة لروح مهرجان سينمائي للأفلام القصيرة. الرمزية حاضرة، لكنها لا تثقل الصورة. الجمال موجود والدلالة أيضًا. على هامش هذه الفكرة، تنطلق الدورة الثانية عشرة من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير في الفترة من ٢٧إبريل إلى ٢ مايو ٢٠٢٦، استمرارًا لحدث يُقام سنويًا منذ ٢٠١٥ في مدينة الإسكندرية. صارت أفلام المهرجان الفائزة بجائزة هيباتيا الذهبية مؤهلة للترشح إلى جوائز الأوسكار. تفصيلة تبدو إجرائية، لكنها تعكس حضورًا يتسع. يُنظم المهرجان عبر جمعية دائرة الفن، بدعم من جهات ومؤسسات ثقافية وسياحية، وبإشراف هيئة عليا استشارية متعددة التخصصات وطاقات تطوعية.. تعمل بمحبة وإخلاص.
المهرجان امتداد لمفهوم الإستمرارية والاستدامة.
ثمة توازٍ يصعب تجاهله. ما يقترحه البوستر بصريًا، يجسده المهرجان عمليًا. بدأت الحكاية بفكرة صغيرة. مخرجون شباب: محمد محمود، موني محمود، محمد سعدوان. لم يكن الطريق واضحا. ولا النتيجة مضمونة. لكن الفكرة استمرت. خطوة.. ثم أخرى، نجاحات وآلق. لأنها وجدت من تمسك بها. يشبه ذلك الترام المعلق. لم يعد في مكانه الأول، لكنه لم يختفِ. وجد شكلًا آخر للبقاء. ربما هذه مصادفة. أو ربما غير ذلك.. لكن دالة.
الإسكندرية المعلقة: التفاصيل التي تصنع الحكاية.
أحد أكثر الاختيارات لفتًا في البوستر هو ما لا يظهر فيه. لا بحر، لا أفق مفتوح، لا صورة نمطية للمدينة. بدلًا من ذلك – أسلاك، عربات ترام، تفاصيل صامتة. الإسكندرية هنا ليست مشهدًا بانوراميًا، إنها شبكة من اللحظات الصغيرة. أفكر أحيانًا: هل المدينة الحقيقية هي ما نلتقطه في الصور الواسعة، أم ما نمر به دون أن نراه؟ الأسلاك المتشابكة تضيف توترًا خفيفًا. حيوية غير مباشرة، كأن كل خط يحمل حكاية، وكل تقاطع.. احتمال لقاء. الترام يعبر هذا المشهد – أو يطفو فوقه – جامعًا طبقات زمنية مختلفة. الماضي، الحاضر، وما لم يحدث بعد. هناك أيضًا تدرج بصري لافت. ترام في المقدمة. آخر أصغر في المنتصف يتلاشي. وخلفية تذوب في ضباب خفيف. ترتيب جمالي، نعم. لكن أيضًا.. سردي. ما كان حاضرًا بقوة يتراجع تدريجيًا. لا يختفي، إنما يبتعد. الألوان تحكي القصة نفسها، الأزرق – لون الترام – يحمل ظل البحر، رغم غيابه. غياب يبدو مقصودًا. الخلفية دافئة، بين نهار متقطع ومساء لم يأتِ بعد. إحساس انتقالي غير مكتمل، مثل المدينة نفسها. التيبوجرافي متوازن. العربية والإنجليزية جنبًا إلى جنب. خطاب مزدوج. ينتمي لبيئته، وينفتح في الوقت نفسه.
بين الماضي والخيال: الغياب كحضور
القراءة السيميولوجية للبوستر تظل مفتوحة. لا يفرض معنى واحدًا. ولا يوجه المتلقي قسرًا. يترك مساحة. وهذا نادر. لكن، رغم كل الاحتمالات، هناك فكرة تكاد تكون ثابتة: أن ما نحبه لا يختفي تمامًا. يتغير. يتحول. ينفلت من شكله الأول. ثم يظهر.. بطريقة أخرى. البوستر يقف في هذه المسافة. بين الذاكرة والخيال. مسافة غير مريحة أحيانًا. لكن ربما.. هي المسافة التي يصنع فيها الفن معناه. الترام المعلق لا يهرب من الواقع. إنه يعيد النظر إليه. كما تفعل السينما. وكما يفعل هذا المهرجان “حين يمنح الحكايات الصغيرة فرصة ثانية للحياة” المدينة تتغير. هذا مؤكد. لكن السؤال يظل: هل تفقد هويتها؟ أم تعيد تشكيلها فقط؟ لا إجابة واضحة. لكن ما يبدو أكيدًا “أن ما يستحق البقاء يجد دائمًا طريقة ما”.



