مقالات

حين يصير الانتظار مسرحًا .. قراءة نقدية في مسرح صامويل بكيت



بقلم: محمد رمضان

إذا كان العالم بلا أسئلة وبلا أجوبة، بلا منقذ ولا إرادة شاملة ولا غاية، عالمًا يسير محمّلًا بالمصادفة والقدرية، اللتين لا تفضيان إلا إلى مصادفة وقدرية أخريين، فإن الانتظار لا يأتي بوصفه أملًا، بل باعتباره شكلًا من أشكال الاستسلام للزمن، أو بالأحرى محاولة لجعل هذا الزمن الخاوي قابلًا لأن يُعاش أو يُسكن.


فالانتظار هنا ليس غاية، بل ذريعة لشيء آخر: كيف نمرّر الزمن حين يحاصرنا اللامعنى، وحين يغدو التاريخ نفسه معطّلًا، وحين نعجز حتى عن الانتحار. قبول الحياة، عندئذ، هو قبول بلا فحوى، وقبول بالعجز والوحدة والخلاص المفقود. لكن من ينقذ من؟ لا أحد قادر على إنقاذ أحد. وممَّ ننقذ بعضنا؟ من الموت؟ من العدم؟ من المفارقة؟ من القدرية؟ من العجز؟
كلنا محكومون بشروط، وليس أمامنا سوى أن نتدبّر أمورنا بتمرير الزمن. وهكذا يصبح الانتظار قناعًا للاانتظار، أو مسرحًا لموت الروح أو لحطامها، بل مهزلة أرضية كبرى، تغدو فيها الحياة نفسها شكلًا من دونكيشوتية العبث. هذا اللاانتظار، أو الانتظار بوصفه قناعًا وذريعة ومسرحًا، يبدو الصيغة الأوضح لكشف خراب الوجود. وكما يقول صمويل بيكيت: «في فعل الانتظار نجرّب مرور الزمن في شكله الأنقى».


هنا يأتي دور الكلام؛ فإزاء العبث الكوني بكل شروخه الإنسانية واللاإنسانية، يغدو الكلام جسرًا وهميًا لعبور الزمن، أو على الأقل محاولة لتأجيل السقوط في الصمت.

لم يكن بيكيت كاتبًا يتأمل العدم من مسافة آمنة. وُلد في دبلن عام 1906، وعاش الحرب العالمية الثانية في باريس، وانخرط في المقاومة الفرنسية، واختبر المطاردة والاختفاء والفقد. لا تفسّر هذه التجربة أعماله تفسيرًا سببيًا مباشرًا، لكنها تضيء قسوتها وراديكاليتها. بيكيت لا يقدّم حلولًا، ولا يراهن على عزاء سهل. قسوته، كما يرى بعض النقاد، ذات أثر مُحرِّر، لأنها تجرّد الإنسان من أوهامه وتضعه وجهًا لوجه أمام شرطه الوجودي. نحن لا نُهزم بالسقوط، بل بالمفاجأة. وما نعرفه وما واجهناه يمكننا احتماله، أو على الأقل التعايش معه.

اصطلح مارتن إسلن على تسمية «مسرح العبث»، مستلهمًا جذوره من الفلسفة الوجودية، لا سيما عند ألبير كامو. وقد مثّل بيكيت أحد أبرز أعمدة هذه الحركة التي شكّلت جسرًا إشكاليًا بين الحداثة وما بعدها. في هذا المسرح، تُهمل القواعد التقليدية للحبكة والشخصية وتسلسل الأحداث، ويُستبدل المنطق الدرامي بمنطق التفكك، ويغدو الغياب هو البطل الحقيقي.

في مسرحية في انتظار جودو، يهيمن الغياب على كل شيء: الشخصيات، المكان، والزمن. فلاديمير وإستراغون عالقان في انتظار كائن لا يأتي أبدًا. لا يتذكران متى أو أين وُعدا به، ولا يعرفان إن كان موجودًا أصلًا. كل ما لديهما وعد غامض، ورسالة صبي تقول:
«قال لي السيد جودو أن أقول لكما إنه لن يأتي هذا المساء، لكنه سيأتي غدًا بالتأكيد».
غير أن هذا الغد لا يأتي.

يكمن جوهر ما يريد بيكيت قوله فيما يغيب عن النص، لا فيما يُقال. غياب جودو يفتح أفقًا لا نهائيًا للتأويل: هل هو المنقذ؟ الموت؟ الإله؟ الوهم؟ وحين سُئل بيكيت عن ماهيته، أجاب ببساطة: «لو كنت أعرف، لقلت ذلك في المسرحية».
الانتظار هنا فعل لا يكتسب معناه إلا من الوصول الذي لا يحدث. وبما أن الوصول غائب، يفقد الفعل معناه، وتفقد الحياة نفسها معناها، ويغدو الانتظار هدفًا بذاته، وقدرًا مزيّفًا.



الانتظار بين المسرح والفلسفة

الانتظار في مسرح بيكيت ليس ثيمة درامية فحسب، بل سؤال فلسفي يتجسد على الخشبة. فالمسرح، قبل أن يكون حكاية تُروى، هو زمن يُعاش. الجمهور يجلس وينتظر، والممثل ينتظر، والحدث ذاته مؤجَّل، أو لا يأتي. هكذا يتحول المسرح إلى مختبر حي للزمن، لا إلى تمثيل له.
لا نرى الانتظار، بل نقضي زمنًا في داخله. نختبر ثقله وفراغه وتمدد لحظاته. ومن هنا تلتقي الفلسفة بالمسرح: الفلسفة تفكّر في الزمن، أما المسرح فيجبرنا على عيشه.

في الفلسفة، الزمن مفهوم يُفكَّر فيه بوصفه تعاقبًا أو استمرارية. أما في المسرح، فالزمن كائن حي، يُقاس بالأنفاس، بالصمت، بتثاقل الجسد، وبنظرات الانتظار. مسرح بيكيت لا يقدّم زمنًا تاريخيًا ولا سرديًا، بل زمنًا معلقًا، بلا اتجاه، لا يتقدم ولا يعود، لكنه لا يتوقف عن المرور.

الانتظار هنا تفكير بالجسد. الشخصيات لا تناقش الزمن، لكنها تستهلكه وتحاول الاحتماء منه بالكلام، أو بالحركة، أو بالضحك. الكلام ليس وسيلة تواصل، بل وسيلة قتل للوقت، أو بالأحرى تأجيل للسقوط في الصمت. لذلك تتكلم الشخصيات كثيرًا، لا لتقول شيئًا، بل كي لا تواجه الفراغ دفعة واحدة.

من هذه الزاوية، يغدو الانتظار الفعل المسرحي الأصفى. فالمسرح يقوم تقليديًا على وعد: شيء ما سيحدث. لكن بيكيت يفرغ هذا الوعد من مضمونه. الحدث لا يأتي، أو يأتي بلا معنى، ومع ذلك يستمر العرض. هنا تكمن المفارقة: إذا كان معنى الفعل مرتبطًا بنتيجته، فماذا يبقى من فعل لا نتيجة له؟
يبقى الفعل نفسه، بوصفه عبئًا وضرورة في آن واحد.

المتفرج شريك في هذا الانتظار. يجلس، يراقب، يملّ، يضحك أحيانًا، ويشعر بثقل الزمن. لا يُقدَّم له خلاص ولا ذروة ولا حل. يتحول التلقي إلى تجربة وجودية، لا إلى استهلاك فني. المتفرج لا يفسر فقط، بل يُختبر. يعيش الزمن نفسه الذي تعيشه الشخصيات، وإن من موقع مختلف.

هكذا لا يشرح مسرح بيكيت العبث، بل يضعنا داخله. لا يقدّم إجابة، بل يتركنا نتدبّر أمرنا في مواجهة زمن بلا معنى، وانتظار بلا موضوع.



«ليس هناك ما هو أكثر تسلية من التعاسة».
في نهاية لعبة، يستخدم بيكيت الفكاهة لا لتخفيف المأساة، بل لتعريتها. إنها كوميديا سوداء تنبع من روتين مأساوي يتكرر يوميًا بلا جدوى. الشخصيات تدرك بؤسها، لكنها تواصل العيش داخله. يعترف كلوف بأنه لم يكن سعيدًا قط، ويلعن هام والديه لأنهما أنجباه. ومع ذلك، تنفلت لحظات ضحك عبثي، لا لأن الألم زال، بل لأن الضحك نفسه صار فعلًا عبثيًا آخر.
هنا تتجلى هشاشة الحالة الإنسانية، ويغدو البحث عن معنى نهائي للحياة فعلًا عديم الجدوى.

في النهاية، يمكن القول إن مسرح بيكيت هو مسرح لحظات، لأنه مسرح نهايات. الزمن فيه منفي، وبالتالي يُنفى التطور. ليس الاختلاف بين أعماله اختلاف طبيعة، بل اختلاف درجة. كلما ضاق المكان، ضاق الزمن، وتحولت اللغة من كلام إلى صرخة، ومن صرخة إلى صوت، ومن صوت إلى صدى، ومن صدى إلى احتمال صمت. الجسد نفسه يضيق، والمكان يغدو امتدادًا له.

مسرح بيكيت، في جوهره، مسرح الوحدة. كل الشخصيات وحيدة، حتى حين تكون في رفقة. الحوار ينتهي إلى مونولوج، والمونولوج ينتهي إلى صمت. الرفقة ليست لقاءً، بل شهادة على الوحدة. إنها مفروضة ومهددة بالانفصال في آن واحد.
هكذا يبدو العجز أحيانًا شكلًا من أشكال الحرية، أو على الأقل مسافة منها. فاليأس، حين يتحرر من أوهام الحل، قد يصير آخر ما تبقى للإنسان.



خاتمة

لهذا، فإن مسرح بيكيت هو مسرح العجز الإنساني في أنقى تجلياته: وحدة الإنسان أمام مصيره، وأمام عالم فقد معناه. إنه مسرح لا يَعِد ولا يفسّر، بل يضعنا وجهًا لوجه أمام شرطنا الوجودي، حيث لا خلاص ولا منقذ، بل انتظار يتآكل حتى يصير لاانتظار… وصمت

About The Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى